محمد بن جرير الطبري

470

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

قال أبو جعفر : وهذا القول عندنا أولى بالصواب ، لإجماع الجميع على أن مريضًا لو صام شهرَ رمضان - وهو ممن له الإفطار لمرضه - أنّ صومه ذلك مجزئ عنه ، ولا قضاء عليه إذا برأ من مرضه بعدة من أيام أخر ، فكان معلومًا بذلك أن حكم المسافر حكمه في أنْ لا قضاءَ عليه إن صامه في سفره . لأن الذي جعل للمسافر من الإفطار وأمرَ به من قضاء عدة من أيام أخر ، مثلُ الذي جعل من ذلك للمريض وأمرَ به من القضاء . ثم في دلالة الآية كفايةٌ مغنية عن استشهاد شاهد على صحة ذلك بغيرها . وذلك قول الله تعالى ذكره : ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ) ، ولا عُسرَ أعظم من أن يُلزم من صامه في سفره عدةً من أيام أخر ، وقد تكلف أداءَ فرضه في أثقل الحالين عليه حتى قضاه وأدَّاه . فإن ظن ذو غَباوة أنّ الذي صامه لم يكن فرضَهُ الواجبَ ، فإن في قول الله تعالى ذكره : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام " " شهرُ رَمضَان الذي أنزل فيه القرآن " ، ما ينبئ أن المكتوبَ صومُه من الشهور على كل مُؤمن ، هو شهرُ رمضان مسافرًا كان أو مقيمًا ، لعموم الله تعالى ذكره المؤمنين بذلك بقوله : " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكمُ الصيام " " شهر رمضان " = وأن قوله : " ومَنْ كان مريضًا أو عَلى سفر فعدةٌ من أيام أخر " معناه : ومن كان مريضًا أو على سفر فأفطرَ برُخصة الله ، فعليه صوم عدة أيام أخر مكانَ الأيام التي أفطر في سفره أو مرضه = ثم في تظاهر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله - إذْ سئل عن الصوم في السفر : " إن شئتَ فصم ، وإن شئت فأفطر " - الكفايةُ الكافيةُ عن الاستدلال على صحة ما قُلنا في ذلك بغيره . 2889 - حدثنا هناد قال ، حدثنا عبد الرحيم ووكيع وعبدة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة : أن حَمزة سألَ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصوم في السفر - وكانَ يسرُد الصوم - فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن